News & Events
المسار التعليميّ التراكميّ
- سبتمبر 10, 2026
- Posted by: Hasan Draee
- Category: مستجدّات الأكاديميّة
كيف يمكن الجمع بين جِدّيّة الدراسة ومرونة التعلّم؟
تواجه البرامج التعليميّة الموجّهة إلى غير المتفرّغين تحدّيًا أساسيًّا في تصميمها؛ فهي تحتاج إلى قدرٍ كافٍ من الاستمرار والتدرّج حتى تُنتج تعلّمًا راسخًا، وفي الوقت نفسه ينبغي ألّا تجعل المتعلّم أمام التزامٍ زمنيّ طويل يصعب الجمع بينه وبين الدراسة الجامعيّة أو العمل أو المسؤوليّات الأسريّة.
لهذا تطوّرت في تعليم الكبار والتعليم المستمر نماذج تقوم على تقسيم المسار الطويل إلى مراحل أقصر مترابطة، يمكن إنجاز كلّ منها بصورة مستقلّة، ثم تراكمها للوصول إلى مستوى أعلى.
ما الاسم العلميّ لهذا النموذج؟
لا ينتمي هذا النظام إلى مصطلح واحد حصريّ، وإنّما يلتقي مع مجموعة من المفاهيم المعروفة في تصميم التعليم، من أبرزها المسارات التعليميّة التراكميّة (Stackable Learning Pathways)، والتعليم القائم على الوحدات أو المراحل (Modular Learning)، والمؤهّلات المتداخلة (Nested Awards).
وتقوم الفكرة على ثلاثة مبادئ مترابطة.
أوّلها أن يُقسَّم البرنامج إلى مراحل واضحة يمكن للمتعلّم استيعاب حجمها وإنجازها.
وثانيها أن تمتلك كلّ مرحلة أهدافًا ونواتج تعلّم حقيقيّة، فلا تكون مجرّد جزء مبتور من برنامج أطول.
وثالثها أن تتراكم هذه المراحل بصورة منظّمة، بحيث يبني كلّ مستوى على ما سبقه ويقود إلى ما بعده.
ولهذا تسمح نماذج Nested Awards المعتمدة في عدد من أنظمة التعليم العالي بوجود نقاط خروج معترف بها داخل المسار؛ فيستطيع المتعلّم إتمام مرحلة والحصول على مؤهّلها، أو مواصلة التقدّم نحو المؤهّل الأعلى.
لماذا يناسب هذا النموذج تعليم البالغين؟
تُظهر دراسات تعليم الكبار باستمرار أنّ الوقت والعمل والأسرة من أهمّ العوامل المؤثّرة في القدرة على الاستمرار في الدراسة. ولذلك أصبح توفير مسارات أكثر مرونة جزءًا مهمًّا من تطوير التعليم المستمر.
غير أنّ المرونة وحدها لا تكفي. فالدورات القصيرة المنفصلة قد تكون سهلة الالتحاق، لكنّها لا تضمن بالضرورة تكوينًا معرفيًّا متدرّجًا. ومن هنا تأتي أهمّيّة التراكم؛ إذ تحتفظ الدراسة بوحدتها العلميّة، بينما تتحوّل الرحلة الطويلة إلى مراحل أقرب وأوضح.
وبذلك يجمع النموذج بين ميزتين يصعب الجمع بينهما أحيانًا؛ قابليّة الإنجاز من جهة، وعمق التكوين من جهة أخرى.
الفصل القصير لا يعني دراسةً أخفّ
من الأخطاء الممكنة في تطبيق هذا النموذج اختصار المدّة مع إبقاء حجم المحتوى القديم نفسه؛ فتتحوّل المرونة عندئذٍ إلى ضغط.
أمّا التصميم الصحيح فيبدأ من نواتج التعلّم. أي إنّ السؤال لا يكون كم من المعلومات يمكن تدريسها في المدّة المتاحة، وإنّما ما الذي ينبغي أن يعرفه الطالب ويفهمه ويستطيع التعامل معه عند نهاية المرحلة؟
وعلى أساس هذا السؤال يُبنى المحتوى، وتُوزّع الساعات، وتُختار أساليب التقويم.
ومن هنا يمكن أن يكون الفصل أقصر زمنيًّا مع احتفاظه بجِدّيّته، ما دام جزءًا من مسار متدرّج ومحكوم بأهداف واضحة.
الدراسة المباشرة ضمن هذا النموذج
يمكن تطبيق المسار التراكميّ في التعليم الذاتيّ أو المدمج أو المباشر. وتزداد قيمة الصيغة المباشرة عندما تكون طبيعة المعرفة المدروسة بحاجة إلى الشرح والحوار وتصحيح الفهم.
فالتعليم الإلكترونيّ المتزامن يوفّر انتظامًا زمنيًّا، وتفاعلًا مباشرًا مع الأستاذ، وإمكان السؤال والمناقشة، كما يحافظ على وجود الجماعة التعليميّة التي تتقدّم معًا داخل المستوى نفسه.
وهكذا تجتمع مرونة المكان مع انتظام الصفّ، فيستطيع الطالب المشاركة من أيّ مكان من دون أن تتحوّل دراسته إلى متابعة فرديّة مفتوحة بلا إيقاع أكاديميّ محدّد.
كيف طُبّق النموذج في أكاديميّة الكلمة؟
تبنّت أكاديميّة الكلمة في الدراسة المباشرة مسارًا من ثلاثة مستويات متراكمة.
الدراسات التأسيسيّة ← تعزيز المعارف الإسلاميّة ← الدراسات التخصّصيّة.
ويتكوّن كلّ مستوى من ثلاثة فصول دراسيّة، مدّة الدراسة الفعليّة في الفصل ثلاثة أشهر.
وقد صُمّم كلّ مستوى ليكون مرحلةً معرفيّة لها قيمة مستقلّة وشهادة خاصّة بها؛ فيستطيع الطالب الاكتفاء بما أنجزه، كما يستطيع مواصلة المستوى اللاحق. أمّا إتمام المستويات الثلاثة فيمثّل إتمام البرنامج الكامل في المعارف الإسلاميّة.
ويقوم التدرّج على انتقالٍ واضح في طبيعة التعلّم؛ فالمستوى الأوّل يبني الأساس، والثاني يوسّع المعرفة ويعمّق الفهم والربط، بينما ينتقل الثالث إلى درجة أكثر تقدّمًا، يتعرّف فيها الطالب إلى جانبٍ من العلوم والمناهج والأدوات المستخدمة في الدراسات الإسلاميّة والحوزويّة، بما يتناسب مع طبيعة البرنامج الموجّه إلى غير المتخصّصين.
الجِدّيّة داخل بنية مرنة
لم يُبنَ نظام الفصول لتخفيف الدراسة، وإنّما لإعادة تنظيمها.
فالدراسة المباشرة في الأكاديميّة موزّعة على أربعة أيّام أسبوعيًّا، بثلاث حصص يوميًّا، ومدّة الحصّة 40 دقيقة، مع متابعة وتقويم وامتحانات.
وهذه البنية تجعل الطالب أمام مسار منتظم ذي متطلّبات واضحة، لكنّه يرى تقدّمه من خلال فصول ومستويات قابلة للإنجاز، بدل أن يبقى لمدّة طويلة داخل برنامج لا توجد فيه محطّات واضحة للإنجاز.
بين الدورة القصيرة والبرنامج الطويل
تكمن قيمة النموذج المرحليّ التراكميّ في أنّه لا يختار أحد طرفين على حساب الآخر؛ فلا يحوّل التعليم إلى دورات متفرّقة، ولا يشترط منذ البداية التزامًا طويلًا يصعب على كثير من المتعلّمين.
إنّه يبني برنامجًا طويل الأثر من مراحل قصيرة نسبيًّا.
ولهذا يبدو هذا النموذج مناسبًا بصورة خاصّة للمشروعات التعليميّة التي تريد الوصول إلى جمهور واسع من غير المتخصّصين، مع المحافظة على التدرّج العلميّ والانضباط وقيمة الشهادة.
ومن هذا المنطلق يأتي اعتماد أكاديميّة الكلمة له؛ باعتباره صيغةً تحاول أن تجعل الدراسة الإسلاميّة المنهجيّة أكثر قابليّةً للإنجاز، من غير أن تفقد جِدّيّتها أو عمقها أو تماسك مسارها.