News & Events
هل فات الأوان لأتعلّم ديني؟
- سبتمبر 20, 2026
- Posted by: Hasan Draee
- Category: مستجدّات الأكاديميّة
إعداد: أكاديميّة الكلمة للمعارف الإسلاميّة
قد يأتي السؤال في لحظةٍ عاديّة جدًّا.
يسألك ابنك: لماذا نصلّي؟ أو لماذا يسمح الله بوجود الشرّ؟
تدخل في نقاشٍ مع زميلٍ في الجامعة أو العمل حول الدين أو الإيمان أو الحرّيّة، فتكتشف أنّ لديك قناعةً، لكنّك لا تعرف دائمًا كيف تشرحها بوضوح.
يرسل أحدهم في مجموعة العائلة مقطعًا دينيًّا، ثمّ يأتي مقطعٌ آخر يقول عكسه، فتتساءل: كيف أعرف أيّهما أقرب إلى الصواب؟ وبأيّ معيار أميّز؟
عندها قد يخطر لك سؤالٌ آخر:
كان ينبغي أن أتعلّم هذا منذ سنوات… فهل فات الأوان؟
حين لا تعود الإجابات الجاهزة كافية
معظمنا لا يبدأ من الصفر. لدينا آياتٌ نحفظها، وأحكامٌ تعلّمناها، ومحاضراتٌ سمعناها، ومعلوماتٌ تراكمت منذ الطفولة.
لكنّ الحياة تكشف لنا مع الوقت الفرق بين أن نعرف معلومةً وأن نفهمها.
فحين يسأل الطفل: «لماذا؟» لا تكفي دائمًا إجابة: هكذا تعلّمنا.
وحين يناقشك زميلٌ يحمل أسئلةً مختلفة، قد تكتشف أنّ الإيمان الذي تعيشه يحتاج أيضًا إلى لغةٍ تستطيع أن تعبّر عنه.
وحين تتكاثر أمامك الآراء الدينيّة المتعارضة، تصبح حاجتك إلى منهجٍ تعرف به كيف تفهم وتتحقّق وتميّز أهمّ من حاجتك إلى معلومةٍ جديدة.
لذلك قد لا يكون الدافع إلى التعلّم شعورنا بأنّنا لا نعرف شيئًا، بقدر ما يكون تلك اللحظة التي نكتشف فيها أنّ ما نعرفه لم يعد كافيًا للسؤال الذي أمامنا.
موسى (ع) قال: علّمني
يضع القرآن أمامنا مشهدًا بالغ الدلالة.
موسى (ع)، النبيّ صاحب الرسالة والمعجزة، يمضي في رحلةٍ ليتعلّم من العبد الصالح، ويقول له:
﴿هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَىٰ أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا﴾
[الكهف: ٦٦]
لم تمنع مكانة موسى (ع) من أن يطلب المزيد من العلم.
وفي هذا درسٌ يتجاوز القصّة نفسها؛ فأن يدرك الإنسان أنّ أمامه ما يحتاج إلى تعلّمه علامة وعيٍ ونضج، ودافعٌ إلى أن يتقدّم.
وفي السيرة نجد سلمان الفارسيّ، وقد قطع مراحل طويلة من حياته في البحث والسؤال والانتقال من مكانٍ إلى آخر طلبًا للحقيقة، حتى انتهى به الطريق إلى رسول الله «ص». لم تكن رحلته قصيرةً ولا سهلة، لكنّ طول الطريق لم يجعل البحث أقلّ قيمة.
وفي تراث أهل البيت (ع) حضورٌ واضح لهذا المعنى؛ فالسؤال طريقٌ إلى المعرفة، وطلب العلم لا تُغلق أبوابه لأنّ الإنسان كبر، أو أصبح صاحب عملٍ أو أسرةٍ أو مسؤوليّات.
ربّما صار سبب التعلّم أقوى الآن
في العشرين قد تتعلّم لأنّ أمامك وقتًا.
وفي الأربعين قد تتعلّم لأنّ أمامك أسئلةً ومسؤوليّات.
بعد الزواج يصبح الكلام عن الأسرة والتربية مختلفًا. وحين يصبح لديك أولاد، لا تعود بعض القضايا أفكارًا نظريّة؛ فأنت تريد أن تعرف ماذا تقول لهم، وكيف تجيب عن أسئلتهم، وكيف تقدّم لهم الدين بطريقةٍ تساعدهم على أن يفهموه ويعيشوه بوعي.
وفي الجامعة أو العمل، قد تجد نفسك أمام أفكارٍ ومذاهب ورؤى لم تكن جزءًا من البيئة التي نشأت فيها، وقد يكون السؤال الذي تسمعه اليوم أكثر تعقيدًا من الإجابة التي سمعتها قبل عشرين عامًا.
حتى القرآن نفسه قد تقرؤه في مرحلةٍ من حياتك، ثمّ تعود إليه بعد سنوات، فتجد أنّ تجربة الحياة جعلتك ترى في الآية ما لم تنتبه إليه من قبل.
فالعمر لا يحمل معه المشاغل وحدها؛ إنّه يحمل أيضًا خبرةً وأسئلةً ونضجًا يمكن أن تجعل التعلّم أعمق وأقرب إلى الحياة.
المشكلة ليست دائمًا في العمر… بل في صورة التعلّم
حين يتخيّل الإنسان تعلّم الدين، قد يرى أمامه سنواتٍ من التفرّغ، وكتبًا كبيرة، ودروسًا طويلة، فيقول: لم يعد هذا ممكنًا.
لكنّ بين أن تصبح متخصّصًا في العلوم الإسلاميّة، وبين أن تبقى معرفتك الدينيّة كما هي، مساحةً واسعة.
يمكن للموظّف أن يتعلّم.
وللأب والأم أن يتعلّما.
وللطالب الجامعيّ أن يبني إلى جانب اختصاصه معرفةً دينيّة منظّمة.
ويمكن لمن تجاوز الخمسين أن يبدأ من الأساسيات، ثمّ يكتشف بعد سنوات أنّه قطع مسافةً لم يكن يتصوّرها.
المطلوب ليس أن نضيف إلى ازدحام حياتنا مشروعًا مستحيلًا، وإنّما أن نجد مكانًا ثابتًا للتعلّم داخل هذه الحياة.
فساعةٌ منتظمة قد تكون أنفع من ساعاتٍ كثيرة متقطّعة، ومسارٌ واضح قد يكون أثمر من عشرات المقاطع والكتب التي نبدأها ولا نكملها.
ابدأ من المكان الصحيح
لا تحاول أن تستعيد كلّ ما فاتك دفعةً واحدة، ولا تبدأ بأعقد المسائل لأنّك تشعر أنّك تأخّرت.
ابدأ بما يبني الأساس، ثمّ دع المعرفة تتّسع معك بالتدريج. تعلّم ما تحتاج إليه لتفهم القرآن والعقيدة والفقه والسيرة والأخلاق فهمًا أكثر ترابطًا، ثمّ انتقل إلى ما هو أعمق.
فطلب العلم ليس سباقًا مع الآخرين، ولا امتحانًا في العمر؛ والمهمّ أن تبدأ بدايةً تستطيع الاستمرار عليها.
ومن هذه الفكرة تنطلق أكاديميّة الكلمة للمعارف الإسلاميّة في بناء مساراتٍ تعليميّة تتيح لمن يعيش حياةً مليئةً بالعمل والأسرة والدراسة أن يجد طريقًا منظّمًا إلى معرفة دينه، خطوةً بعد خطوة.
فالسؤال ليس:
لماذا لم أبدأ قبل عشر سنوات؟
السؤال الأهمّ:
ماذا يمكن أن يتغيّر في معرفتي وحياتي إذا بدأت اليوم؟
فالسنوات التي مضت لن تعود، أمّا السنوات المقبلة فستأتي على أيّ حال؛ والفرق هو بما سنملؤها.
ولعلّ هذا المعنى تختصره المقولة المشهورة:
«اطلب العلم من المهد إلى اللحد».