News & Events
كم يجب أن تعرف من دينك؟
- سبتمبر 12, 2026
- Posted by: Hasan Draee
- Category: مستجدّات الأكاديميّة
طلب العلم بين الواجب والاستحباب
إعداد: أكاديميّة الكلمة للمعارف الإسلاميّة
الدين ليس مجموعةً من المعارف النظرية فحسب، بل هو منهج حياة ومسؤولية تقتضي من المؤمن أن يتعلّم ما يعينه على فهم عقيدته وأداء واجباته والابتعاد عن المحرّمات. قال تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ (الأنفال: 24).
ورُوي عن رسول الله (ص):
«طلب العلم فريضة على كلِّ مسلم».
غير أنّ مقدار العلم الواجب يختلف باختلاف الأشخاص وأحوالهم ومسؤولياتهم؛ فليس المطلوب من الجميع بلوغ مرتبة التخصّص، وإنّما يجب على كلّ إنسان أن يتعلّم من دينه ما يصحّح اعتقاده وعمله، ويجنّبه الوقوع في الخطأ والحرام.
أوّل ما ينبغي أن تعرفه: مَن تعبد؟
تبدأ المعرفة الدينيّة بمعرفة الله وأصول الإيمان، وهي التوحيد والنبوّة والإمامة والمعاد. ولهذا لا يصحّ التقليد في أصول الدين، بل ينبغي أن تقوم العقيدة على الفهم والاقتناع والاطمئنان.
ولا يعني ذلك أنّ على كلّ مسلم دراسة الكتب المتخصّصة أو خوض الأبحاث الكلاميّة المعقّدة، بل يكفيه أن يعرف أصول إيمانه معرفةً واعية تقوم على الدليل المناسب لقدراته وظروفه.
ثمّ تعرّف إلى كتاب الله
القرآن الكريم كتاب هداية وبناء، قال تعالى:
﴿إِنَّ هَٰذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ (الإسراء: 9).
ومن هنا، فإنّ معرفة القرآن الكريم واجبة بالقدر الذي يحقّق للإنسان هدايته، ويعينه على فهم أصول الإيمان، وتمييز الحقّ من الباطل، والعمل بما يقرّبه إلى الله. وينبغي للمسلم أن يتعرّف إلى معاني القرآن وأفكاره الأساسيّة حول الله والإنسان والحياة والآخرة، وأن يسعى إلى تدبّر آياته والعمل بهداها، كلٌّ بحسب قدرته واستعداده.
وتعلّم ما تحتاج إليه لتطيع الله
يجب على الإنسان أن يتعلّم الأحكام التي يحتاج إليها في حياته، حتى لا يترك واجبًا أو يقع في محرّم من حيث لا يعلم. فالمصلّي يحتاج إلى معرفة أحكام الصلاة والطهارة، والمتزوّج إلى معرفة حقوق الزوجين وواجباتهما، وصاحب المال إلى أحكام أمواله، والتاجر إلى أحكام البيع والشراء والمعاملات.
قال أمير المؤمنين (ع):
«يا معشر التجّار، الفقه ثمَّ المتجر».
فقد يخطئ الإنسان، رغم صدق نيّته وحسن قصده، إذا أقدم على العمل من دون أن يتعلّم حكمه الشرعي.
الجهل قد يفسد العمل، ولو حسنت النيّة
قال تعالى:
﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾ (الكهف: 103-104).
فالنيّة الحسنة، على أهميّتها، لا تكفي وحدها إذا كان العمل قائمًا على الجهل أو مبنيًّا على فهم خاطئ؛ فقد يظنّ الإنسان أنّه يحسن صنعًا، بينما يسلك طريقًا لا يحقّق الغاية التي يريدها.
ومسؤوليّتك لا تقتصر على نفسك
لا يقتصر أثر العلم على إصلاح الفرد، فالإسلام يريد من الإنسان أن يساهم في نشر الخير والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. قال تعالى:
﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ (آل عمران: 104).
ومن يتصدّى لنشر الخير وتوجيه الآخرين يحتاج إلى معرفة الحقّ وتمييزه من الباطل، حتى لا ينسب إلى الله ما لم يقله، أو يقدّم للناس صورةً ناقصة أو مشوّهة عن الدين. وكلّما اتّسعت مسؤولية الإنسان، ازدادت حاجته إلى العلم.
فما المقدار الواجب من العلم؟
يمكن تلخيص القاعدة في الآتي:
يجب على الإنسان أن يتعلّم من دينه ما يصحّح اعتقاده، ويعرّفه واجباته، ويجنّبه الوقوع في المحرّمات والأخطاء الناشئة عن الجهل.
ويختلف هذا المقدار باختلاف حياة الإنسان وأعماله ومسؤولياته. أمّا التخصّص العميق في الشريعة وعلوم الدين، فقد يكون واجبًا على بعض الناس، ولا يجب على الجميع.
وبعد أداء الواجب يبدأ طريق توسيع المعرفة
قال تعالى:
﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ (طه: 114).
ورُوي عن رسول الله (ص):
«مَن سلك طريقًا يطلب فيه علمًا، سلك الله به طريقًا إلى الجنّة».
وعن أمير المؤمنين (ع):
«كمال الدِّين طلب العلم والعمل به».
فبعد تعلّم ما يجب، يستطيع الإنسان أن يوسّع معارفه في التفسير والفقه والسيرة والأخلاق وعلوم الحديث وغيرها، ليزداد فهمًا ونضجًا وكمالًا. وهذا التوسّع ليس واجبًا على الجميع، لكنّه من أفضل السبل لبناء الإنسان المؤمن وتعميق صلته بدينه.
من الحدّ الأدنى إلى المعرفة المتكاملة
لا ينبغي أن ينحصر الهدف في معرفة الحدّ الأدنى الذي يتيح أداء الواجبات فحسب، بل من الأفضل أن يسعى الإنسان إلى بناء فهم متكامل يربط بين القرآن والعقيدة والفقه والسيرة والأخلاق واللغة، ويعرّفه بمناهج الاستدلال، ويمكّنه من التمييز بين المعرفة الموثوقة والادّعاءات غير المستندة إلى دليل.
فالمعرفة الدينيّة المتوازنة لا تكتفي بتقديم الأحكام، بل تساعد الإنسان على فهم منظومة الدين، وإدراك مقاصده، وتحويله إلى وعيٍ حاضر في التفكير والسلوك والقرارات.
دور أكاديميّة الكلمة
تقدّم أكاديميّة الكلمة للمعارف الإسلاميّة مسارًا علميًّا منظّمًا يبدأ بالدراسات التأسيسيّة في القرآن والعقيدة والفقه والسيرة والأخلاق واللغة، ثم ينتقل إلى تعميق المعارف وربطها، وصولًا إلى الدراسات المتقدّمة ومناهج الاستدلال والبحث.
وبذلك ينتقل الطالب من تعلّم ما يحتاج إليه لأداء واجباته، إلى امتلاك ثقافة إسلاميّة واعية ومعرفة أعمق تجعل الدين حاضرًا في فهمه وقراراته وحياته.
فالطريق يبدأ بما يجب أن تعرفه، لكنّه لا ينتهي عنده:
﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ (طه: 114).