القرآن وعلومه
المرجع الأوّل للهداية، والأساس الذي تُبنى في ضوئه الرؤية الإسلاميّة للإنسان والحياة
لا يمثّل القرآن الكريم في أكاديميّة الكلمة مادّةً دراسيّة إلى جانب سائر المواد فحسب، بل هو المرجع المؤسِّس للرؤية الإسلاميّة، والمحور الذي تنتظم في ضوئه بقية المعارف. فمنه يتعرّف الإنسان إلى الله، ويفهم حقيقة نفسه وغاية وجوده ومسؤوليّته ومصيره، ويكتسب الموازين الكبرى التي تضبط فكره وسلوكه وموقفه من الحياة.
قال تعالى: ﴿إِنَّ هَٰذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ (الإسراء: 9).
وقال سبحانه: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾ (النحل: 89).
ولهذا لا تكتمل معرفة المسلم بدينه من دون معرفة كتاب الله، ولا تكفي صلةٌ بالقرآن تقف عند التلاوة والحفظ؛ فقد أنزله الله ليُفهم ويُتدبَّر ويصنع البصيرة ويوجّه الحياة: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ (ص: 29).
وقال أمير المؤمنين (ع): «وتعلَّموا القرآن فإنّه أحسن الحديث، وتفقَّهوا فيه فإنّه ربيع القلوب» (نهج البلاغة، الخطبة 110).
ما مجال القرآن وعلومه؟
هو مجالٌ يدرس القرآن من جهة حقيقته ووظيفته وهداياته، ومن جهة المناهج والعلوم التي تعين على فهمه فهمًا منضبطًا.
وتبدأ الدراسة بالتعرّف إلى موقع القرآن في الإسلام، ثم تتقدّم إلى أصول فهم النصّ وتدبّره، ومناهج التفسير وعلوم القرآن، وصولًا إلى بناء الرؤية القرآنيّة في القضايا الكبرى المتعلّقة بالله والإنسان والوجود والحياة والمجتمع.
فالغاية ليست جمع معلوماتٍ عن القرآن، وإنّما تكوين طالبٍ يعرف كيف يدخل إلى كتاب الله، وكيف يقرأه ضمن سياقه، ويربط آياته بعضها ببعض، ويميّز بين ما يدلّ عليه النصّ وما يحمّله القارئ عليه.
لماذا تحتاج إلى دراسة القرآن؟
لأنّ الإنسان يحتاج إلى ميزانٍ يرجع إليه في بناء رؤيته، لا إلى معلومات دينيّة متفرّقة.
فالقرآن يقدّم أصول النظرة إلى الله والخلق والإنسان، ويكشف معنى العبادة والحريّة والمسؤوليّة، ويحدّد موازين الحقّ والباطل والعدل والظلم، ويبيّن سنن الحياة والمجتمع، ويصل الدنيا بالآخرة.
وحين تُدرس العقيدة والفقه والسيرة والأخلاق بعيدًا عن هذه الرؤية الجامعة، يمكن أن تتحوّل إلى أبواب متجاورة لا يجمعها بناءٌ واحد. أمّا القرآن فيعيدها إلى الصورة الكلّيّة التي تمنح كلّ علمٍ موقعه ومعناه.
ومن هنا تعتمد أكاديميّة الكلمة الرؤية القرآنيّة أفقًا حاكمًا في مشروعها التعليمي، فلا تُدرس المعارف الإسلاميّة بمعزل عن الكتاب الذي يشكّل مرجعها الأعلى في الهداية وبناء الإنسان.
ماذا ندرس في هذا المجال؟
تتدرّج الدراسة بحسب المستوى والبرنامج، ويمكن أن تشمل:
- حقيقة القرآن ووظيفته في الهداية وبناء الرؤية.
- الوحي ونزول القرآن ومراحل النزول والسياقات المرتبطة به.
- ثبوت القرآن وحفظه وموقعه بوصفه المصدر الأوّل للهداية الإسلاميّة.
- أخلاق القراءة وموانع الفهم، وأثر الهوى والتعصّب والأفكار المسبقة في التعامل مع النصّ.
- قواعد الفهم والتدبّر ودور اللغة والسياق والقرائن.
- الفرق بين التفسير والتدبّر والاستنباط وتنزيل الهداية على الواقع.
- مناهج التفسير وعلوم القرآن وأهمّ مصادر الفهم.
- بيان النبيّ (ص) وأهل البيت (ع) وموقع السنّة الموثوقة في فهم القرآن.
- جمع الآيات في الموضوع الواحد وبناء الصورة القرآنيّة المتكاملة.
- الرؤية القرآنيّة لله والإنسان والحياة، وما يتصل بالعبوديّة والاختيار والمسؤوليّة.
- الأسباب والتوكّل والدعاء والقدر والسنن الإلهيّة في حياة الإنسان والمجتمع.
- دراسة سور وآيات وقضايا مختارة دراسةً تحليليّة تطبيقيّة.
- الانتقال من فهم المعنى إلى اكتشاف أثر الهداية القرآنيّة في الفكر والخلق والموقف والعمل.
ويمثّل مشروع «القرآن والحياة» أحد الروافد التي تعبّر عن هذا الاتجاه؛ إذ يسعى إلى الانتقال من معرفة الآيات منفردةً إلى استجماع عناصر الصورة القرآنيّة المتكاملة، ثم السؤال عمّا تغيّره هذه الصورة في فهم الإنسان وحياته.
منهج أكاديميّة الكلمة في دراسة القرآن
يجمع المنهج بين الأصالة والانفتاح، وبين التفسير والتدبّر، وبين المعرفة والهداية.
وينطلق من القرآن نفسه، مع الاستفادة من اللغة والسياق، وبيان النبيّ (ص) وأهل البيت (ع)، والتراث التفسيري والعلمي، وما يفيد من الدراسات الحديثة، مع المحافظة على الضوابط التي تمنع القراءة المجتزأة أو إسقاط الأفكار المسبقة على النصّ.
وتولي الأكاديميّة عنايةً خاصّة بربط الآيات بعضها ببعض؛ لأنّ كثيرًا من المعاني الكبرى لا تتجلّى في آيةٍ منفردة، وإنّما تتكوّن من مجموع ما يقوله القرآن في الموضوع.
ولهذا نريد للطالب أن ينتقل تدريجيًّا من سؤال «ماذا تعني هذه الآية؟» إلى سؤال أوسع: «ما الصورة التي يبنيها القرآن في هذه القضية، وكيف ينبغي أن تغيّر فهمي وموقفي وحياتي؟»
ماذا يكتسب الدارس؟
يخرج الدارس بعلاقةٍ أكثر وعيًا بكتاب الله، وبقدرةٍ أفضل على فهم الآيات ضمن سياقاتها، والتمييز بين القراءة المنهجيّة والانطباع الشخصي، وربط الموضوعات القرآنيّة بعضها ببعض.
كما يكتسب مفاتيح تساعده على مواصلة التفسير والتدبّر بصورةٍ أكثر استقلالًا، ويدرك موقع القرآن في بناء العقيدة والفقه والأخلاق والسيرة، ويتدرّب على الرجوع إليه بوصفه ميزانًا للفكرة والموقف والحياة.
لمن يناسب هذا المجال؟
يناسب كلّ من يريد أن ينتقل بعلاقته بالقرآن من التلاوة والمعرفة العامّة إلى الفهم والتدبّر المنهجي، من المبتدئ الذي يريد بناء الأساس إلى الدارس الذي يسعى إلى التعمّق في مناهج التفسير وعلوم القرآن والرؤية القرآنيّة للحياة.
القرآن في برامج الأكاديميّة
يحضر القرآن في الدراسة المباشرة بوصفه أحد المجالات المركزيّة في جميع مراحل التكوين، كما تقدّم الأكاديميّة موضوعاته عبر الدراسات المرنة، والدورات المتخصّصة، والندوات والمواد المعرفيّة والبرامج البحثيّة.
ويمتدّ أثره إلى بقية المجالات، لأنّ الغاية النهائية هي أن تتكوّن لدى الطالب معرفة إسلاميّة تنتظم حول القرآن، وتستمدّ منه رؤيتها الكبرى، ثم تنفتح به على أسئلة الإنسان والواقع والحياة.
فالقرآن في أكاديميّة الكلمة ليس موضوعًا ندرس عنه فحسب، بل كتابٌ نتعلّم كيف نفهم به الدِّين، ونرى به الحياة، ونهتدي به إلى ما هو أقوم.