الأخلاق والتزكية
بناءُ الإنسان من الداخل، وتحويلُ المعرفة والإيمان إلى خُلُقٍ وسلوكٍ ومسؤوليّة
لا تكتمل المعرفة الإسلاميّة إذا بقيت في العقل ولم تُسهم في تغيير الإنسان وبناء شخصيّته وسلوكه. فالقرآن لم يجعل غاية الدِّين أن يعرف الإنسان الحقّ فحسب، وإنّما أن يزكّي نفسه ويصلح عمله وعلاقاته.
قال تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾ (الشمس: 9-10).
وقال سبحانه في بيان وظيفة الرسالة: ﴿يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ (الجمعة: 2).
فالتعليم والتزكية في الرؤية القرآنيّة متلازمان؛ لأنّ العلم الذي لا ينعكس على صاحبه قد يزيد معلوماته من غير أن يبني إنسانه.
ورُوي عن النبيّ (ص): «إنّما بُعثتُ لأتمّم مكارم الأخلاق».
ومن هنا تحتلّ الأخلاق والتزكية موقعًا أساسيًّا في مشروع أكاديميّة الكلمة، بوصفهما المجال الذي يصل الإيمان والمعرفة بالإنسان الذي ينبغي أن تصنعه هذه المعرفة.
ما مجال الأخلاق والتزكية؟
يدرس هذا المجال بناء النفس الإنسانيّة، وتهذيب دوافعها وصفاتها، وتنمية الفضائل، ومعالجة الرذائل، وتحويل القيم إلى ممارسةٍ ثابتة في الحياة.
فالتزكية تتعلّق بالعمل الداخلي على النفس، من معرفة دوافعها ومراقبتها ومحاسبتها ومجاهدتها، بينما تظهر الأخلاق في طريقة تعامل الإنسان مع الله ونفسه والآخرين.
ولهذا لا تُدرس الأخلاق بوصفها قائمةً من الصفات الجميلة، وإنّما بوصفها مسارًا لفهم النفس وتربيتها وبناء العادات والمواقف والعلاقات على أساسٍ إيمانيّ واعٍ.
لماذا تحتاج إلى دراسة الأخلاق؟
لأنّ الإنسان قد يعرف الحكم الصحيح، ثم يعجز عن تطبيقه بسبب الغضب أو الطمع أو الكِبر أو الهوى. وقد يمتلك المعرفة الدينيّة، ثم يسيء استخدامها بسبب حبّ الظهور أو التعصّب أو ضعف الإنصاف.
ومن هنا فإنّ إصلاح السلوك يحتاج إلى معرفةٍ بالنفس لا تقلّ أهمّيّةً عن معرفة الحكم.
وتزداد الحاجة إلى التربية الأخلاقيّة كلّما اتّسعت مسؤوليّة الإنسان؛ فالأخلاق تُختبر في الأسرة والعمل والمال والاختلاف والدعوة والسلطة والنجاح والأزمات، وتظهر حقيقتها خصوصًا عندما تتعارض المصلحة الشخصيّة مع ما يقتضيه الحقّ.
ماذا ندرس في هذا المجال؟
تتدرّج الدراسة بحسب المستوى والبرنامج، ويمكن أن تشمل:
- مفهوم التزكية وموقعها في القرآن والسنّة.
- معرفة النفس ودوافع السلوك الإنسانيّ.
- الإخلاص والنيّة ومراقبة العمل.
- الصدق والأمانة والوفاء والمسؤوليّة.
- الصبر والشكر والرجاء والخوف والتوكّل.
- الكِبر والعُجب والرياء والحسد وطرق معالجتها.
- الغضب والشهوة وضبط الانفعال.
- بناء العادات وتغيير السلوك تدريجيًّا.
- المحاسبة والمراقبة والمجاهدة.
- أخلاق الأسرة والصداقة والعمل والتعامل مع الناس.
- أخلاق الاختلاف والحوار والإنصاف.
- المال والسلطة والشهرة وأثرها في النفس.
- العلاقة بين الأخلاق والعبادات.
- النماذج الأخلاقيّة في سيرة النبيّ (ص) وأهل البيت (ع).
- قضايا أخلاقيّة معاصرة تتّصل بالفضاء الرقميّ والعمل والحياة الاجتماعيّة.
منهج أكاديميّة الكلمة في دراسة الأخلاق
تنطلق الأكاديميّة من القرآن والسنّة الموثوقة وتراث أهل البيت (ع)، مع الإفادة ممّا يساعد على فهم النفس والسلوك من المعارف الإنسانيّة المعاصرة ما دام منسجمًا مع الأصول الإسلاميّة.
ولا تريد الأكاديميّة أن تكون الأخلاق مادّةً وعظيّة يوافق الطالب على فضائلها ثم يعود إلى حياته كما كان؛ لذلك تجمع الدراسة بين التأصيل والفهم والتطبيق.
فيتعرف الطالب إلى الصفة وأسبابها وآثارها، ثم ينظر في وسائل معالجتها أو تنميتها، ويُربط ذلك بمواقف واقعيّة من حياته، بما يجعل التعلّم أقرب إلى المراجعة المستمرّة للنفس والسلوك.
الأخلاق جزءٌ من سائر العلوم
لا تنفصل الأخلاق في رؤية الأكاديميّة عن القرآن والعقيدة والفقه والسيرة.
فالعقيدة تبني علاقة الإنسان بالله، والفقه يحدّد له ما يجب وما يحرم، والسيرة تقدّم له النماذج الحيّة، أمّا التزكية فتعمل على إعداد النفس لتستجيب لما تعرفه وتلتزم به.
ولهذا ينبغي أن ترافق التربية الأخلاقيّة الطالب في مختلف مراحل دراسته، لا أن تُحصر في مقرّرٍ منفصل ثم تنتهي.
ماذا يكتسب الدارس؟
تساعد دراسة المجال الطالب على فهمٍ أدقّ لنفسه ودوافعه، والتمييز بين القيمة كشعارٍ والقيمة كسلوك، واكتساب أدواتٍ عمليّة للمحاسبة وضبط الانفعال وتغيير بعض العادات.
كما تساعده على ربط العبادة بالأخلاق، والمعرفة بالعمل، والتعامل مع الآخرين بقدرٍ أكبر من العدل والرحمة والصدق والإنصاف.
الأخلاق والتزكية في برامج الأكاديميّة
تحضر الأخلاق في الدراسة المباشرة بوصفها أحد المجالات الأساسيّة، وتتدرّج من المفاهيم والفضائل الرئيسة إلى دراسةٍ أعمق للنفس والسلوك وبناء الشخصيّة.
كما تقدّم الأكاديميّة دورات وبرامج مركّزة في موضوعات مثل تزكية النفس، وبناء العادات، وإدارة الغضب، وأخلاق الأسرة، وأخلاق الاختلاف، والتربية، وبناء الشخصيّة، إلى جانب الندوات والمواد العمليّة التي تربط المعرفة بالممارسة.
وغاية هذا المجال أن ينعكس ما يتعلّمه الطالب عن الله والدِّين على الطريقة التي يفكّر بها، ويضبط بها نفسه، ويتعامل بها مع الناس؛ لأنّ قيمة المعرفة الدينيّة تظهر في الإنسان الذي تصنعه.