العقيدة
رؤيةٌ واعية بالله والإنسان والوجود، يقوم عليها الإيمان وتتحدّد في ضوئها وجهة الحياة
العقيدة هي الأساس الذي تنتظم عليه نظرة الإنسان إلى نفسه والعالم وما وراءه؛ فمن خلالها يعرف مَن خلقه، ولماذا خُلق، ومن أين يتلقّى الهداية، وإلى أين يصير. ولهذا لا تمثّل العقيدة مجموعة قضايا ذهنيّة تُحفظ، وإنّما هي الرؤية التي تمنح الحياة معناها، وتحدّد موقف الإنسان من العبادة والمسؤوليّة والحرّيّة والعدل والألم والموت والرجاء.
قال تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ (محمد: 19).
وقال سبحانه: ﴿أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَىٰ﴾ (الرعد: 19).
وقال أمير المؤمنين (ع): «أوّلُ الدِّين معرفتُه» (نهج البلاغة، الخطبة الأولى).
ومن هنا كان الإيمان في الرؤية الإسلاميّة قائمًا على المعرفة والبصيرة؛ فلا يصحّ أن تكون أصول الاعتقاد مجرّد تقليدٍ لما يقوله الآخرون، بل ينبغي للإنسان أن يبلغ فيها من الفهم والدليل ما يجعلها عقيدةً حقيقيّة له.
ما مجال العقيدة؟
هو المجال الذي يبحث في أصول الإيمان والرؤية الإسلاميّة للوجود، وفي مقدّمتها معرفة الله وتوحيده وصفاته، والنبوّة، والإمامة، والمعاد، وما يتّصل بها من قضايا العدل والحكمة والقضاء والقدر والشرّ والاختيار والمسؤوليّة.
ويمتدّ البحث العقديّ إلى الأسئلة والإشكالات التي يواجهها الإيمان في العصر الحاضر؛ فلا تقتصر الدراسة على عرض المباحث الموروثة بصيغتها التقليديّة، وإنّما تنفتح على ما تطرحه التحوّلات الفكريّة والعلميّة والثقافيّة من أسئلةٍ حول وجود الله، والوحي، والدِّين، والإنسان، والأخلاق، والحرّيّة، والمعنى.
وتدخل في ذلك قضايا مثل الإلحاد واللاأدريّة، ونقد الدِّين، والعلاقة بين العلم والإيمان، وإشكاليّة الشرّ، والنسبية الأخلاقيّة، والعلمانيّة، وحدود العقل والوحي، والأسئلة الجديدة التي تثيرها التحوّلات العلميّة والثقافيّة. وتُعالج هذه الموضوعات بدرجاتٍ مختلفة بحسب المستوى، كما تخصّص لها الأكاديميّة دورات وندوات وبرامج تركّز على بعض الإشكالات المعاصرة بصورةٍ أعمق.
وتساعد الدراسة العقديّة الطالب على الانتقال من الإيمان الموروث أو المعرفة المجملة إلى إيمانٍ أوعى وأرسخ، يعرف فيه ما يعتقد ولماذا يعتقده، ويملك الأدوات التي تساعده على فهم الأسئلة الجديدة ومناقشتها بوعيٍ ودليل.
لماذا تحتاج إلى دراسة العقيدة؟
لأنّ الإنسان يتصرّف في الحياة انطلاقًا من الصورة التي يحملها عنها، وإن لم ينتبه إليها.
فمَن يرى نفسه مخلوقًا لله مسؤولًا بين يديه يختلف في اختياراته عمّن يرى الوجود بلا غاية، ومَن يؤمن بالمعاد والحساب يقرأ النجاح والخسارة بمعيارٍ مختلف، ومَن يفهم معنى العدل الإلهي والحكمة والابتلاء يكون أقدر على مواجهة الألم والأسئلة الصعبة من غير أن يضطرب أصل إيمانه.
وتزداد الحاجة إلى العقيدة اليوم؛ لأنّ كثيرًا من الأسئلة لم تعد تبقى داخل الكتب والمنتديات المتخصّصة. تصل إلى الشباب عبر الجامعات ووسائل الإعلام والمنصّات الرقميّة، وتختلط فيها الأسئلة الفلسفيّة بالعلميّة والنفسيّة والاجتماعيّة. ومن هنا لا تكفي الأجوبة المحفوظة، بل يحتاج الطالب إلى بنية عقديّة متماسكة ومنهجٍ يعلّمه كيف يفهم الإشكال قبل أن يجيب عنه.
ماذا ندرس في هذا المجال؟
تتدرّج الدراسة بحسب المستوى والبرنامج، ويمكن أن تشمل:
- معنى العقيدة وموقعها في بناء الدِّين والحياة.
- معرفة الله وأدلّة وجوده.
- التوحيد ومراتبه، وصفات الله وأسماؤه.
- العدل والحكمة الإلهيّة.
- الإنسان بين الاختيار والقدر والمسؤوليّة.
- مشكلة الشرّ والألم والابتلاء.
- الحاجة إلى النبوّة ومعنى الوحي وحجّيّته.
- نبوّة النبيّ محمّد (ص) وأدلّتها.
- الإمامة وحجّيّتها ووظيفتها في امتداد الهداية.
- المعاد والحساب والحياة الآخرة.
- العقل والوحي وحدود كلٍّ منهما في بناء الاعتقاد.
- منهج التعامل مع الشبهة والاعتراض والاستدلال.
- الإلحاد واللاأدريّة وأبرز حججهما ومناقشاتهما.
- العلاقة بين العلم الطبيعيّ والإيمان.
- قضايا الأخلاق والمعنى والحرّيّة من منظور عقديّ.
- اتجاهات نقد الدِّين والأسئلة الفكريّة المعاصرة.
- أثر العقيدة في السلوك والاختيار وبناء الموقف من الحياة.
ولا يلزم أن تُدرس جميع هذه الموضوعات بالدرجة نفسها داخل المقرّرات الأساسيّة؛ فبعضها يُقدَّم ضمن المسار العام، وبعضها يُعالج في دورات متخصّصة وندوات وبرامج فكريّة بحسب الحاجة وطبيعة الجمهور.
منهج أكاديميّة الكلمة في دراسة العقيدة
تقدّم الأكاديميّة العقيدة وفق مدرسة أهل البيت (ع)، وبأفقٍ قرآنيّ واستدلاليّ، يجمع بين القرآن والعقل والسنّة الموثوقة والتراث الكلامي والفلسفي، وينفتح بوعيٍ على الدراسات والأسئلة المعاصرة.
ولا يقوم المنهج على تكثير الجدل أو تحويل العقيدة إلى مادّة دفاعيّة دائمة، بل يبدأ ببناء الرؤية الإيمانيّة المتماسكة، ثم يدرّب الطالب على فهم الاعتراضات وتقويمها والتمييز بين السؤال الحقيقي والشبهة المصطنعة، وبين الدليل والانطباع، وبين البحث العلميّ والخطاب الجدليّ.
كما تراعي الأكاديميّة أن تتغيّر الإشكالات بتغيّر الأزمنة؛ ولذلك لا يُفترض أن تبقى دراسة العقيدة أسيرة قائمةٍ ثابتة من الموضوعات، بل ينبغي أن تحتفظ بأصولها الراسخة، وتكون في الوقت نفسه قادرةً على مواجهة الأسئلة المستجدّة وإنتاج جوابٍ علميّ معاصر عنها.
العقيدة والقرآن
تحتلّ الرؤية القرآنيّة موقعًا مركزيًّا في دراسة العقيدة؛ فالقرآن لا يقدّم قضايا الإيمان في صورة تعريفاتٍ نظريّة فحسب، بل يبني صورةً متكاملة لله والإنسان والعالم والحياة والتاريخ والمصير.
ولهذا تسعى الدراسة إلى جمع الآيات المتعلّقة بالموضوع الواحد وربطها بعضها ببعض، حتى لا تُبنى الرؤية العقديّة على نصٍّ مجتزأ، بل على الصورة القرآنيّة الكلّيّة، مع الاستفادة من البيان العقليّ والتراث العلميّ.
ماذا يكتسب الدارس؟
تساعد دراسة العقيدة الطالب على أن:
- يبني إيمانه على فهمٍ وبصيرة.
- يعرف أصول اعتقاده وأدلّتها الأساسيّة.
- يرى العلاقة بين التوحيد والنبوّة والإمامة والمعاد.
- يفهم الإشكالات المعاصرة قبل التسرّع في الردّ عليها.
- يتعامل مع قضايا الإلحاد ونقد الدِّين والعلم والإيمان بمنهجٍ أهدأ وأدقّ.
- يميّز بين البرهان والشبهة والانطباع والجدل.
- يفهم أثر الاعتقاد في السلوك والموقف والحياة.
- يمتلك قاعدةً تمكّنه من مواصلة الدراسات الكلاميّة والفلسفيّة والفكريّة بصورةٍ أعمق.
لمن يناسب هذا المجال؟
يناسب كلّ من يريد أن ينتقل من المعرفة العقديّة المجملة إلى إيمانٍ واعٍ يعرف أصوله وأدلّته وآثاره، كما يناسب الدعاة والمعلّمين والمهتمّين بالقضايا الفكريّة، ومن يواجه أسئلةً حول الله والدِّين والإنسان والمعنى، أو يريد أن يكون أقدر على التعامل مع الإشكالات التي تطرحها الثقافة المعاصرة.
العقيدة في برامج الأكاديميّة
تحضر العقيدة في الدراسة المباشرة بوصفها أحد المجالات الأساسيّة في التكوين، وتتدرّج من بناء الأصول إلى البحث الأعمق في المسائل والأدلّة.
كما تخصّص الأكاديميّة الدراسات المرنة والدورات والندوات والبرامج الفكريّة لقضايا عقديّة محدّدة، ومنها الإلحاد، والعلاقة بين العلم والدِّين، ومشكلة الشرّ، والأسئلة الأخلاقيّة والفكريّة الجديدة، بما يسمح بمعالجة بعض القضايا بما تحتاج إليه من تركيز وتوسّع.
وترتبط العقيدة بمجالات القرآن والفلسفة الإسلاميّة والقضايا الفكريّة المعاصرة والفقه والسيرة والأخلاق؛ لأنّها تمنح هذه المعارف الرؤية الكلّيّة التي تضعها في مكانها داخل علاقة الإنسان بالله وفهمه للوجود والحياة.
فالعقيدة في أكاديميّة الكلمة ليست أجوبةً محفوظة عن أسئلة قديمة، بل بناءٌ للإيمان على المعرفة، وتأهيلٌ للعقل ليواجه أسئلة عصره من داخل رؤيةٍ إسلاميّة راسخة وواعية.